أبو نصر الفارابي

64

الجمع بين رأيي الحكيمين

ولما تولى الرشيد اتخذ طبيبه بختيشوع بن جورجيس وجبرائيل بن بختيشوع ويوحنا ابن ماسويه النصراني ، وقد اجزل لهم العطاء ، فامر بخمسمائة ألف درهم ، مثلا ، لجبرائيل بن بختيشوع ، لأنه شفى له حظية . ولما استخلف المأمون كثر في بلاطه الأطباء والمنجمون ، فمن منجميه : حبش الحاسب ، وعبد اللّه بن سهل بن نوبخت ، ومحمد بن موسى الخوارزمي ، وما شاء اللّه اليهودي . ومن أطبائه : سهل بن سابور ، ويوحنا بن ماسويه ، وجورجيس بن بختيشوع ، وعبس بن الحكم . والمعتصم نصحه المنجمون الا يغزو « عمورية » الا في أيام نضج التين والعنب ، فلم يصغ لقولهم فغزاها وفتحها . وقال أبو تمام في ذلك بائيته المشهورة « السيف أصدق انباء من الكتب » . والواثق لما اشتد مرضه احضر المنجمين ، منهم الحسن بن سهل بن نوبخت ، فنظروا في مولده ، فقدروا له ان يعيش خمسين سنة مستأنفة من ذلك اليوم ، فلم يعش بعد قولهم الا عشرة أيام « 1 » . إذا كان الشغف بمعرفة احكام النجوم هو الذي جذب الخلفاء أولا إلى تشجيع هذا العلم ، فإنهم تدرجوا منه إلى تشجيع الفلك الرياضي البحت : فرصدت الكواكب في عهد المأمون وأصلحت آلات الرصد ، واخذوا يبحثون عن التغييرات التي تحدث في الأرض بسبب مواقع النجوم وتأثيرها ، وكلا الامرين كان عند اليونان . ويبدو ان هذين العلمين : الطب والتنجيم ، هما البابان اللذان اوصلا المسلمين إلى ساحة العلوم الفلسفية . والسبب في ذلك ان التخصص الذي نفهمه الان لم يكن معروفا في هذا العصر العباسي ، فكان الطبيب والمنجم يلمان بكثير من المسائل الفلسفية ، وتكاد تعد الفلسفة كوحدة ، فروعها : الطب والإلهيات ، والحساب والمنطق ، والموسيقي ، والهندسة . وكانت رغبة الأطباء والمنجمين في اتقان فنونهم تحملهم على معرفة اللغات الأجنبية وخاصة اليونانية ؛ فإذا حذقوها اقبلوا على الكتب المؤلفة فيها من جميع فروع الفلسفة . لذلك نجد هؤلاء الأطباء يترجمون كتب المنطق والفلسفة ، والرياضيات وغيرها . ولما اتسعت رقعة الدولة الاسلامية ظهرت الحاجة إلى علم الحساب والرياضيات لضبط بيت المال وجباية الضرائب وعمل ميزانية الدولة . فأخذ المسلمون علم الحساب عن الهنود ، إذ انهم كانوا قد برعوا في هذا العلم . كما وانهم استرشدوا بعلم الهندسة وفن البناء من اليونان .

--> ( 1 ) ابن العبري : مختصر تاريخ الدول ص 245 .